المقريزي

230

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

السّبع . ورئي مرة بهذا السطح ويده ممدودة وفي كفّه فتات الخبز والطير تأكل منه . وكان إذا احتاج إلى خياطة شيء من الخيش « 1 » الذي يلبسه دفعه إلى من يتخيّره وأعطاه أجرته من الفلوس المرتّبة له ، وإن أعانه أحد وحمل معه جرّة الماء التي يصعد بها إلى بيته أعطاه أجرة عن ذلك . وكانت تمرّ به الأعوام الكثيرة لا يتلفظ بكلمة سوى قراءة القرآن وذكر اللّه لا غير . وكان خادم الخانكاه يحمل له في كل شهر الثلاثين الدرهم الفلوس ، فلا يأخذها إلا عددا عن كلّ درهم أربعة وعشرين فلسا كما عهده بها قبل اعتزاله ، ولم يزل على هذا القدم من الزّهد في الدّنيا ، والتّقلّل في المأكل والاقتصاد في الملبس حتى توفّي ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثماني مائة ، فحمل من الخانكاه بعد ما غسّل وكفّن حتى صلّى عليه بمصلّى المؤمني « 2 » قاضي القضاة بدر الدين محمود العينتابي « 3 » ، وشهد السلطان والأمراء جنازته ، وكان جمعا موفورا . ثم أعيد إلى الخانكاه فدفن فيها . ووجد له مبلغ ألفي درهم وسبعمائة درهم فلوسا ، وتنافس الناس في شراء هذه الفلوس وفي ما كان يلبسه وما وجد له من كتب حتى بيع ما قيمته درهم بمائة ، وأخذ ذاك لوقف الخانكاه ، فاستردّوا ما تناوله منهم في حياته أو قريبا منه . ولم يخلف بعده مثله فيما نعلم . * * *

--> ( 1 ) الخيش : ثياب في نسجها رقة ، وخيوطها غلاظ ، من مشاقة الكتان وأردئه . ( 2 ) أنشأ هذا المصلى الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد اللّه المؤمني سنة 765 ه ، وأنشأ معه سبيلا بالقاهرة . ( النجوم الزاهرة 12 / 161 - ح 2 ) . ( 3 ) هو محمود بن أحمد بن موسى ، بدر الدين ، أبو الثناء ، الحلبي الأصل ، العينتابي المولد ، ثم القاهري ، الحنفي ، ويعرف بالعيني ، فقيه ، قاض ، مصنف ، توفي سنة 855 ه ( الضوء اللامع 1 / 131 ) .